خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان



إنّي لأشد تعجباً من تعجُبكَ مني، ولقد كُنتُ أقول: إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس؛ الشعراء والأعراب، فأما الشعراء، فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل، فمال طبعهم إلى النساء، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى، فاستسلموا إليه منقادين، وأما الأعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته، فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها، ولا يشغله شيء عنها، فضعفوا عن دفع الهوى فتمكن منهم. وجُملة أمري فما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحزم، وحسنّت عندي ركوب الإثم مثل نظري فِي هَذِهِ.


من عُلماءِ العرب ابوهُ خليفة واخاهُ خليفة وجدّهُ هو من أقام الدولةَ الأُمويّة، ورغم ذلك لم يحكم ولو يوماً كخليفةٍ للمسلمين، وكان أعظم ما حدث في حياته هو عِشقُ أُختُ من حارب دولةَ أبيهِ وجدّه ولم تنتهي الحربُ الا بقتلهِ فقرر بعدها أن يتقدّم لخُطبتها.


هو خالدٌ بن يزيد بن معاوية بن أبي سُفيان، بعدما توفّى والدهُ يزيدٌ بن معاوية تولّى الخلافة أخاهُ معاوية، الذي أعتزل الخلافة قبل أن يُكمِل العام وذلك لانّهُ كان يرى أن جدهُ ووالده قد أخذوا الحُكم ظُلماً من آل عليٍّ بن أبي طالبٍ ظُلما، فبقي كُرسيُّ الخِلافةِ فارِغاً لفترة، إذ أبو الناسُ أن يحكُمهم خالدٌ لِصِغرِ سِنِّه، فأتى من المدينةِ أكبرُ فردٍ في العائلة وإن كان من خارجِ عائلةِ يزيدٍ بن معاوية وهو مروانُ بن الحكم، والذي أخذ كُرسيِّ الحُكمِ بِحُجّةِ أن يحفظهُ حتى يكبُرُ خالداً وتزوّج أُمّهُ كذلك، ولكن ما حصل أن مروان قد اِغترّ بِكُرسيِّ الحُكم وجعلهُ لهُ وحده وقال لِخالدٍ حينما أتى ليجلِس بجانبه:"ليس هُنا مجلِسُك فاذهب لمجلِسِ أُمِّك يا ابنَ فاخِنه" يُكنّيهِ بأمّهِ تقليلاً له، وكان ذلك سبباً لتقتُلَ أُمُّ خالدٍ مروانُ بن الحكم.


بعد وفاة مروان ابن الحكم تولّى الحُكم بعده ابنهُ عبدُالملك، لم يُطالب خالدٌ بالحُكم حيثُ انشغل بالعلم فألّف كُتُباً في الكيمياء وترجم كُتُباً أخرى وكان من أهمِّ عُلماءِ عصره، كان خالدٌ يهوى رملةٌ بنت الزبير ووقع حُبُّها في قلبهِ في فترةٍ لم تكن الافضل، في حينِ قيامِ الحربِ بين عبدالملكِ ابنُ مروان وأبناءِ الزُبير عبداللهِ ومصعب رضي اللهُ عنهم أجمعين، فلمّا أراد خُطبتها كان عبدالملك ابنُ مروان قد ارسل الحجّاج ابن يوسفٍ الثقفي ليُحاصِر مكة ويُقاتِل أبناء الزُبير فأشار من عند خالدٍ عليه ان يتقدّم لها بعدما تنقضي حربُ مكة فوافق رأيهم، في أواخِرِ عامِ 73 هـ وهُوّ العام الذي قُتِل فيه أخيها الخليفة عبد الله بن الزبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفي وبعد أن عادت مكة المكرمة إلى سيطرة خلفاء بني أمية، عندها قرر الخليفة عبد الملك بن مروان أن يحج، فقام معه أشراف دمشق وأسيادها وعلمائها للحج معه، وقام أيضًا رجالات قبيلة قريش المعدودين وعلمائهم وكان من ضمنهم الأمير خالد بن يزيد بن معاوية وقد كان لخالدٍ عظيم القدر عند عبد الملك.

وفي ذات الوقت ذهبت رملة للحج أيضًا، وأثناء أداء المناسك كان خالد إلى جانب عبد الملك يطوفون حول الكعبة المشرفة مع المسلمين، فرأى خالد رملة صدفةً وهيّ جالسة بعيداً عن أنظار الناس ولم تكُن تعتقد أن أحدهم يستطيع رؤيتها فرمت خمارها وحجابها عن وجهها، فلمّا نظر إليها عشقها عشقاً شديداً، ووقعت بقلبه وقوعاً متمكناً أشدّ من ذي قبل، ولم تعرف بنظره لها، ولمّا أراد عبد الملك بن مروان  العودة إلى دمشق بعد نهاية الحج، قرر خالد أن يبقى في مكة بدلاً من العودة فاستغرب عبد الملك من أمره إذ لا عمل له في مكة ولا يعيش فيها، وشك به وعلم أنَّ هُناك سبباً ما خصوصاً عندما لاحظ اصفرار في وجه خالد وضعف في بدنه فعلم أنّ شيئاً يشغل باله.


فلمّا سألهُ عبدالملك واصرّ عليهِ السؤال قال خالد:

يا أمير المؤمنين، رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت، فأذهلت عقلي والله ما أبديت إليك ما بي حتى عيل صبري، ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله، والسلو على قلبي، فامتنع منه


فقال له عبد الملك: «ما كنت أقول إن الهوى يستأسر مثلك!!»،


فرد خالد عليه: «إنّي لأشد تعجباً من تعجُبكَ مني، ولقد كُنتُ أقول: إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس؛ الشعراء والأعراب، فأما الشعراء، فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل، فمال طبعهم إلى النساء، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى، فاستسلموا إليه منقادين، وأما الأعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته، فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها، ولا يشغله شيء عنها، فضعفوا عن دفع الهوى فتمكن منهم. وجُملة أمري فما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحزم، وحسنّت عندي ركوب الإثم مثل نظري فِي هَذِهِ



فابتسم له عبد الملك بن مروان: «أوكل هَذَا قد بلغ بك ؟!»


فرد خالد: «والله ما عرفتني هذه البلية قبل وقتي هذا!»


وقال فيها:


"نظرتُ إليها فاستحَلَّتْ بها دمي

وكانَ دمي غَالٍ فأرخصَهُ الحبُّ

وغاليتُ في حُبِّي لها فرأتْ دمي

حلالاً فَمِنْ هاذاكَ داخلها العُجبُ"


فأرسل إلى آل الزبير بن العوام يخطب رملة لخالد، فذكروا لها إخوانها وأبناء إخوانها خطبة ابن يزيد بن معاوية لها، فردت عليهم: «لا والله أو يطلق نساءه!»،، وذلك لأنَّ خالد كان متزوج من امرأتين، واحدة منهما كانت من قريش والأُخرى من الأزد


لمّا سمع خالد ذلك، لم يتردد في تطليق زوجتيه وهُما بالشام بينما هُوّ في مكة المكرمة رغم أنَّ زوجتيه كانتا كريمتين ومحبوبتين عنده كما ذكر المؤرخين. وفعلاً تمت الخطبة


لما عَلِم الحجاج بن يوسف الثقفي قاتل أخيها الصحابي عبد الله بن الزبير، أغضبه الأمر واستفزه الخبر، فأرسل حاجبه عبيد الله بن وهب إلى خالد وقال له: «قل لخالد: ما كنتُ أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني، ولا كنتُ أراك تخطب إليهم، وليسوا لك بأكفاء، وقد قارعوا أباك على الخلافة ورموه بكل قبيحٍ، فأبلغه الرسالة..»


فلمّا أخبر الحاجب خالد برسالة الحجاج. امتعض واحمر وجهه وجلس ينظر إلى الحاجب طويلاً بدون أن ينطق بكلمة، ثُمّ قال: «لو كانت الرسل تُعاقب لقطعتُكَ إراباً إرباً، ثم طرحتُكَ على باب صاحبك، قل له: ما كُنتُ أظن أن الأُمورَ بلغت بِكَ أن أشاورك في مناكحة نساء قريش.

وأما قولكَ: أن ليسوا بأكفاء، فقاتلك الله يا ابن أم الحجاج، ما أقل علمك بأنساب قريش، أيكون العوام كفؤاً لعبد المطلب بزوجه صفية، ويتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد، ولا تراهُم أكفاء لآل أبي سفيان ؟!

وأما قولكَ: قارعوا أباك على الخلافة، ورموه بكل قبيحٍ، فهي قريش يُقارع بعضها بعضاً، حتى إذا أقر الله عز وجل الحق مقره، عادت إلى أحلامها وفضلها وكان تقاطعهم وتراحمهم على قدر أحلامهم وفضلهم.»



عاش خالدٌ مع رملةٍ بحب حتى أنّهُ قد قال فيها:

"أليس يزيد السير في كل ليلة

وفي كل يوم من أحبتنا قربا؟

أحن إلى بنت الزبير وقد علت

بنا العيس خرقًا من تهامة أو نقبا

إذا نزلت أرضًا تحبب أهلها

إلينا وإن كان منازلها حربا

وإن نزلت ماء وإن كان قبلها

مليحًا وجدنا ماءه باردًا عذبا

تجول خلاخيل النساء ولا أرى

لرملة خلخالًا يجول ولا قلبا

أقلوا علي اللوم فيها فإنني

تخيرتها منهم زبيرية قربا

أحب بني العوام طرًّا لحبها

ومن حبها أحببت أخوالها كلبا"


انتشرت القصيدةُ حتى وصلت لمن حول عبدالملك ابن مروان، الذين غضبوا من غزلِ خالدٍ المفرطِ في ابنةِ الزبيرِ وآلِها، فقيل أنّهم قد زادوها بيتاً قبل ان يعرضوها على عبدالملك فكان البيت:

"إن تُسلمي نُسلم وإن تتنصّري

تخُطُّ رِجالٌ بين أعيُنِهِم صُلبا"


فأغضب ذلك البيت عبدالملكِ ابن مروان حتى أنهُ عندما زارهُ خالد ، قال له عبد الملك بغضب: «تنصرت يا خالداً ؟»، فرد خالد بجهل واستغراب: «وما ذاك ؟»، فأنشده عبد الملك البيت الملفق، فقال خالد: «على من قاله ومن نحلنيه لعنة الله يا أمير المؤمنين!»


تزوج خالدٌ عليها بعد ذلك ثلاث سيدات هُن عائشة بنت عبد الملك بن مروان، وابنة عمه عاتكة بنت عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، وزينب بنت الصحابي عبد الله بن الصحابي جعفر بن أبي طالب



وبسبب زواجه من تلك النسوة الشريفات وبنات الصحابة، قال أحد شعراء زمانه تعبيراً عن حسده لخالد لجمعه تلك النساء عنده وهو شديد بن شداد القرشي من فخذ بني عامر بن لؤي:

"عليكَ أميرَ المُؤمِنِينَ بخالدٍ

ففي خالدٍ عمّا تُريدُ صُدُودُ

إذا ما نظرنا في مناكحِ خالدٍ

عرفنا الذي يَهوَى وحيث يُرِيدُ"


أحدث أقدم