عمرو بن كلثوم التغلبي




لطالما كانت العرب منذ القِدم تأبى أن يُولّى أمرهُم لأصغرِهم سِنّا، كانوا يمقتون ذلك ويرونه اِستنقاصاً في حقِّهم، فلا الصغير بنظرهم ممن يُرجّحُ رأيهُ او يملِكُ ما يغلِبُ بهِ كِفّةَ أحدٍ يفوقهُ سِنّاً، لكننا سنتحدثُ اليوم عن من سادَ قومهُ وهوُ لم يتجاوز الخامسة عشر من عُمُرِه، فارسٌ وشاعر، شُهِد لهُ بذلك مُنذُ نُعومةِ اظفارِه، عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب سيّدُ ربيعةٍ وفارسهم، شاعِرهم وإحدى قصائده هي من المعلقات السبع،


أُمُّه ليلى بنت المُهلهل، حين عاد الزيرُ إلى زوجتهِ هند بعد إحدى لياليه التي قضاها في حاناتِ الشُّرب، فوجدها تنتظرهُ لتُخبرهُ انّها قد أنجبت فتاةً، فما كان منهُ إلّا أن أمرها بِدفنِها، فاظهرت لهُ زوجتهُ فروض السّمعِ والطاعةِ لتتقي شرّه، فادّعت انّها قد وأدتها بينما خبّأتها عنه، فلمّا خلد سالمٌ للنومِ في تلك الليلة إذ أتاهُ في منامهِ هاتف، الهاتِفُ هو نفرٌ من الجنّ يُلقي القصائد على سمعِ البشر دون أن يروه، فقال الهاتِفُ للزير :


“كم من فتىً يُأمّلي

وسيّدٌ شمردلي

وعُدّةٌ لا تُجهلي

في بطنِ بنتِ مُهلهلي”


فاستيقظ الزيرُ من نومِهِ فزِعا، وكان استيقاظهُ سبباً لتستيقظ زوجتهُ أيضاً، فسألها أين ابنتي، فأخبرتهُ أنّها قد دفنتها كما أمر، فقال لها : “لا وربُّ ربيعةٍ لم تفعلي” فباحت لهُ أنّها لم تفعل وإنّما خبّأتها عنه، فأمرها أن تجلبها له، فلما آتتهُ إياها ظلّ يُناظِرُها لِبُرهةٍ من الزمن ثم أعادها لأمِّها وقال:

“أكرمِيها وأحسني تربيتها” فكانت ابنتُهُ هذهِ هي ليلى أمُّ عمرو، فكبِرت ليلى حتى بلغت سِنّ الزواج، فأتي يطلُبُها كلثومٌ ابنُ مالك، سيّدُ ربيعة، فوافق الزيرُ له بذلك، فتزوّجها وحمِلت منه، فأتاها هاتفٌ قبل أن تضع ما في بطنِها فكان يقولُ لها:


“يا لكِ ليلى من ولد

يقدِمُ اقدام الاسد

في جشمٍ منهُ العدد

اقولُ قولاً لا قند”


فعِلمت بما أشار لها الهاتِفُ فيه أنّها ستُنجِبُ ولداً لكنّهُ ليس كأيِّ ولد، فلمّا وضعتهُ أُسمي عمرواً فعاش في كنفِ والِدهِ سيدِ ربيعة وأمّهُ ابنةُ الزير أخو أول ملكٍ للعرب كُليب، فلمّا بلغ السنة الأولى من عُمُرِه وكان يلعبُ أمام أُمّه إذ أتاها هاتفٌ ثانٍ فقال لها:


“أنا زعيمٌ لكِ أم عمروٍ

بما جَدَّ الجدُّ كريمُ النجر

أشجع من ذي لبدٍ هِزبْر 

وقاصِ أقرانٍ شديد الأسر

يسودهم في خمسةِ عشر”


علِمت أمّهُ بانّهُ سيكون سيّد قومهِ في سن الخامسة عشر، وكانت لذلك تخشى عليهِ من كُلِّ أذى.

فحدث أنّهُ في أحدِ الأيامِ حينما كان يبلغُ عمروٌ الثامنةَ من عُمُرهِ وفي أحدِ المصادرِ أنّهُ كان أصغر، كان في مجلسٍ فيهِ أُمّهُ وجدّهُ الزير ووالدهُ كُلثوم، وكان يجلِسُ هوَ على يمينِ والدته ويليهِ والدهُ ثمّ الزيرُ سالم، فقامت أمّهُ لواجِبِ المجلس فسكبت قدح الخمرِ الاولِ وناولتهُ والدَها ثمّ قدح الخمرِ الثاني لتسقيهُ زوجها ثم الثالثَ ليكونَ لها، فغضِب عمروٌ لما فعلت ليلى، فقال يهجو من في المجلس:


“صبِنت الكأس عنّا أمّ عمروٍ

وكان الكأسُ مجراها اليمينا

وما شرُّ الثلاثةِ أُمّ عمروٍ

بصاحِبكِ الذي لا تُصبحينا”


فأثار ذلك غضب والدهِ الذي قام بصفعهِ وقال له:”ليس لمِثلِنا يُقالُ هذا”

ورُغم صفعِهِ له إلّا أنّه علِم في قرارةِ نفسهِ أنّ صغيراً لا ينطِقُ بهذا الحديثِ إلّا أن يكون لهُ شأنٌ حينما يكبُر.

حدث ما كان يراهُ أبوهُ وجدّهُ وأمّهُ فيه، فلمّا بلغ الخامسة العشر تسيّد قومهُ بنو ربيعة، 

طال بهِ الزمن حتى حدث في حياته حدثٌ عظيم، كان ملِكُ الحيرةِ حينئذٍ عمرو ابن هند، وكان يُفاخِرُ على من أمامهُ قائلاً :

"امِن رجُلٍ تأنفُ أمُّهُ خدمةُ اُمّي؟"


فقالوا لهُ من عنده :

"واللهِ ما عِلمنا إلّا ليلى بنتُ المهلهل، أبوها الزير وزوجُها كلثومٌ ابنُ عتّاب سيّدُ ربيعة وابنهُ عمروٌ خلفُه"


فقال لهم:

"واللهِ لأُرينّكم ما تُغيّرون بهِ ما تقولون"


فبعث برسالةٍ إلى عمرو بن كلثوم، وكانت تربِطُهُ بهِ صِلَةُ قُربى من أخوالِهِ حيثُ كانوا أقرباءَ هندٍ أُمّه، فكان ما في الرسالة هو حديثُ وُدٍّ أنِ قد أطلتم غيابكم عنّا ولم تقربونا بزيارة، فكان ما في الرسالةِ مُطمئن، ولكنّ عمروٌ ابن هِند يُريدُ بهم سُوءاً.


وافق عمرو بن كلثومٍ على الدعوة واحضر أمّهُ معهُ لزيارةِ ملِكِ الحيرةِ وأمُّهُ هند، وكان عمرو بن هند قد نصب خيامهُ قُرب نهرِ الفُرات مبتعِداً عن الحيرة مقرُّ حُكمه، 


فلمّا وصل عمرو ابنُ كلثومٍ وأمُّهُ الى خيامِ ملِكِ الحيرة، دخلت ليلى في صيوانِ النساء الذي كانت فيه هِندٌ أُمُّ عمرو، وقد كانت هندٌ على اتِّفاقٍ مع ابنِها بأن اذا احضروا لكم الجواري الطعام والشراب فاصرفيهم، واطلُبي من ليلى خدمتك حتّى أُبيّن لقومي عكس ما قالوا، لمّا اقبل عمرو ابنُ كُلثومٍ على صيوان الرِّجال الذي فيه عمرو ابنُ هند طلب منهُ الحُرّاسُ ان يتجرّد من سيفهِ لانّهُ في حضرةِ ملِكِ الحيرة، فلمّا دخل رأى أنّه ليس هُنالِك من سيفٍ في الخيمةِ الّا واحِداً كان فوق رأسِ الملِك للزينة، فلمّا بدأوا يتناولون أطراف الحديث كانوا الجواري قد فرغوا من وضعِ الطعام والشّراب في شِقِّ النساء، فصرفت هِندٌ الجواري وبدأت هي وليلى في الاكل، ثم ادّعت هِندٌ انّها قد غصّت في لقمتِها، فأخذت تقول:

"يا ليلى ناوليني قدحَ الماء"


فقالت لها ليلى :

"لتقُم صاحِبةُ الطلب"

فأعادت عليها هندٌ سُؤالها فأجابت ليلى بنفسِ الجواب، ثُمّ صرخت ليلى:

"وذُلّاهُ لِتغلب"


فسمِعها إبنُها الذي كان في شِقِّ الرِّجال، فنظرَ لعمروٍ ابنُ هندٍ وقد اربكهُ هدوءه، فاذا بهِ يبتسمُ وينظرُ لعمرِو ابنِ كُلثومٍ بنظرةِ خُبث، فعلِمَ عمرو ابنُ كلثومٍ انّ هذه الدعوةَ كانت مكيدة، فقفز بطولِهِ لحجرِ الملك وسلّ سيفهُ الذي كان على رأسهِ وضربهُ به قاطعاً رأسه، ثم صرخ على جُنده:

"اُقتلوا من وجدتم"


خرج عمرو ابنُ كلثومٍ واخذ أمّهُ فوق بعيرِها وتوجّه بها إلى قومه، 


فلمّا اقبل على بيوتِ بني تغلب، نادتهُ أُمُّهُ ثم قالت:

"واللهِ أنّك خيرُ الثلاثةِ ذلك اليوم"


ثم أخذ بعدها يُغنّي مُعلّقتهُ المشهورةَ مُتفاخِراً



أحدث أقدم